محمد بن جرير الطبري
460
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإنّ ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف ( 2 ) . لئن سُلطت عليه لأهلكنّه . فلما بلغ الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح ، قال للملائكة : إذا نفختُ فيه من رُوحي فاسجدوا له . فلما نفخ فيه الرّوح فدخل الروح في رأسه عَطَس ، فقالت له الملائكة : قل الحمدُ لله . فقال : الحمد لله ، فقال له الله : رحمك ربُّك . فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة . فلما دخل في جوفه اشتهى الطعامَ ، فوَثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلانَ إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول : ( خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) [ سورة الأنبياء : 37 ] . فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين - أي استكبرَ ( 3 ) - وكان من الكافرين . قال الله له : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لِما خلقتُ بيديّ ؟ قال : أنا خير منه ، لم أكن لأسجدَ لبشر خلقته من طين . قال الله له : أخرج منها فما يكون لك - يعني ما ينبغي لك - أن تتكبر فيها ، فأخرج إنك من الصاغرين - والصَّغار : هو الذل - . قال : وعلَّم آدم الأسماء كلها ، ثم عرض الخلق على الملائكة ، فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّ بني آدم يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء . فقالوا له : سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنتَ العليم الحكيم . قال الله : يا آدم أنبئهم بأسمائهم ، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون . قال قولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، فهذا الذي أبدَوْا ، " وأعلم ما كنتم تكتمون " ، يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر ( 4 ) .
--> ( 2 ) الصمد هنا : هو الذي لا جوف له ، والمصمد والمصمت واحد . وانظر ما سلف ص : 456 تعليق : 1 . ( 3 ) في المطبوعة : " أبى واستكبر " ، وهو تحريف . ( 4 ) الخبر : 607 - روى الطبري قطعة منه في تاريخه 10 : 41 - 42 ، بهذا الإسناد . وقطعة أخرى أيضًا 1 : 43 . وثالثة 1 : 45 - 46 . ورابعة 1 : 47 . وخامسة 1 : 47 - 48 . وسادسة 1 : 50 . وبعضه عن السيوطي 1 : 45 - 47 ، والشوكاني 1 : 50 . وقد مضى تعليل هذا الإسناد ، في : 168 ، ورأى الطبري نفسه فيه : 452 ، وأنه فيه مرتاب . وقد ساقه ابن كثير بطوله 1 : 137 - 138 ، ثم قال : " فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة . فلعل بعضها مدرج ، ليس من كلام الصحابة ، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة ، والله أعلم . والحاكم يروي في مستدركه ، بهذا الإسناد بعينه ، أشياء ، ويقول : على شرط البخاري ! " .